خمسة آلاف سنة من الحلي السورية: من قلادة إيبلا إلى غوايش الحريقة
٤ أيلول ٢٠٢٦
في متحف حلب قلادة ذهبية صغيرة من مقابر إيبلا الملكية. عمرها يزيد على أربعة آلاف سنة. انظر إليها جيداً ثم انظر إلى غوايش أي عروس سورية اليوم: الحرفة واحدة، والمسافة بينهما ليست قطيعة بل خيط ذهب ممدود عبر القرون. هذه المقالة تمشي على ذلك الخيط، محطةً محطة.
إيبلا وأوغاريت وماري: البداية المبكرة جداً
في الألف الثالث قبل الميلاد كانت ممالك سوريا الداخلية والساحلية تصوغ الذهب بتقنيات ما زالت تُدرّس اليوم. مقابر إيبلا الملكية أخرجت قلائد ومداليات مشغولة بالمشبك والحبيبات - خيوط ذهب مبرومة وكرات مجهرية ملحومة على السطح. وفي أوغاريت على الساحل، حيث وُلدت الأبجدية، وُجدت أقراط هلالية وقلادة ذهبية نجمية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد تحمل نقشاً كونياً: نجمة في المركز يحيط بها إطار من النقاط المطروقة. الطرق على الذهب كان التقنية الأم، والزخرفة عليه فناً تنافست فيه الممالك.
الأهم من جمال القطع دلالتها: الصياغة هنا لم تكن استيراداً من حضارة جارة. كانت صناعة محلية ناضجة، بورشها وتقاليدها، قبل أن تقوم روما أو تُبنى أثينا.
تدمر: المدينة التي كثرة الذهب فيها شرف
انتقل ثمانية عشر قرناً إلى الأمام. تدمر في القرن الثاني الميلادي مدينة قوافل غنية تربط فارس والهند بالمتوسط، وتجّارها يخلّدون موتاهم بمنحوتات نصفية تسد فتحات المدافن البرجية. المنحوتات هذه أثمن سجل أزياء في تاريخ سوريا القديم.
في روما كانت المرأة الفاضلة تُصوَّر بحليّ قليلة حياءً وتقشفاً. في تدمر العكس تماماً: كلما زادت الحلي زاد الشرف. سيدات تدمر نُحتن بعقود تصل إلى سبعة في الصدر الواحد، كل عقد بتصميم مختلف، مع عصابات رأس وأقراط وأساور وخواتم. وتكشف الدراسات الحديثة أن المنحوتات كانت ملونة، وأن الحلي فيها كانت تُغطى برقائق ذهب حقيقية وتُطعّم بزجاج ملون. حجر يلبس ذهباً - هكذا كرّمت تدمر نساءها.
العثمانيون: الليرة تصير حلياً
القفزة التالية طويلة، تمر بذهب البلاطات الأموية والأيوبية وقيساريات المماليك - ومنها سوق الصاغة الدمشقي الذي ما زال حياً - لتصل إلى ظاهرة عثمانية غيّرت شكل الحلي السورية حتى اليوم: المسكوكة الذهبية التي تُلبس.
الليرة العثمانية، وأشهرها عند السوريين الرشادية المضروبة باسم السلطان محمد رشاد بعد 1909 بوزن 7.2 غرامات وعيار 22، لم تبقَ عملة في الجيوب. صارت زينة على الصدور: تُثقب أو تُلحم لها علاقة، وتُنظم في قلائد ومسابح صدر، وتُخاط على أغطية الرأس. كانت مصرف المرأة الذي تلبسه - مالها الخاص المعلن أمام الجميع، تفك منه ليرة عند الحاجة وتضيف إليه ليرة في الرخاء. حكاية الرشادية كاملة، بأسعارها وطرق كشف تقليدها، في دليل الليرة الرشادية.
مدرستا دمشق وحلب، ونيلو الفرات
تحت السطح العثماني نضجت مدارس الصياغة المحلية التي نعرفها: دمشق بنقشها اليدوي وقطعها الكلاسيكية الثقيلة، وحلب بشغلها الرفيع الدقيق الذي رفده الحرفيون الأرمن الواصلون من كيليكيا بعد مجازر 1915. ومع الأرمن وصلت إلى سوريا تقنية النيلو - خلطة كبريتيدات سوداء تُصهر في حفر النقش فتُخرج الرسم أسود لامعاً على الفضة البيضاء - فوجدت موطنها في دير الزور وصارت «الفضة الديرية» عنوان الفرات.
لهذه المدارس الثلاث مقالة كاملة عندنا: الصياغة السورية ومدارسها. يكفي هنا سطر واحد يضعها في سياق الخمسة آلاف سنة: الحبيبات التي لحمها صاغة إيبلا هي نفسها التي يلحمها الشغل الحلبي الرفيع. الأدوات تحسنت. اليد هي اليد.
بعد 2011: الحرفة تتبعثر ولا تموت
ثم جاءت الحرب ففعلت بالصياغة ما فعلته بكل شيء. أغلقت ورش، وهاجر حرفيون بالآلاف - تقديرات نقابية تتحدث عن نحو خمسة آلاف صائغ سوري في ورش الخليج ومصر وحدها - وفتح الحلبيون والدمشقيون محالّهم في إسطنبول وغازي عنتاب. وحدث شيء لم يتوقعه أحد: بدل أن تذوب الحرفة المهاجرة في أسواقها الجديدة، فرضت عليها ذوقها. الصاغة الأتراك لم يكونوا يعرفون عيار 21 قبل وصول السوريين، فأدخله المهاجرون إلى حي الفاتح حتى صارت التركيات يطلبن «الذهب السوري» بالاسم.
لماذا عيار 21 هو خاتمة القصة
كل الخيط الذي مشينا عليه ينتهي عند رقم واحد. عيار 21 - ذهب بنقاء 87.5 بالمئة - هو التوقيع السوري اليوم لأنه يلخص فلسفة خمسة آلاف سنة: الحلي عندنا زينة وخزينة معاً. لونه أصفر غني يليق بالعرس، ومتانته تحتمل اللبس اليومي، وقيمته قريبة من الذهب الخام فيسترد صاحبه ماله عند الحاجة، تماماً كما كانت التدمرية تلبس ثروتها والجدة تفك ليرة من قلادتها. من أراد الأرقام فليقارن في دليل العيارات، ومن أراد سعر اليوم فعلى لوحة الأسعار.
القلادة في متحف حلب لا تعرف أنها بدأت كل هذا. لكن كل غوايش تُلبس في عرس سوري الليلة، من دمشق إلى برلين، تكمل جملتها.
أسئلة شائعة
ما أقدم قطعة مجوهرات سورية معروفة؟
من أقدم القطع الموثقة حلي المقابر الملكية في إيبلا ومنها قلادة ذهبية شهيرة محفوظة في متحف حلب، تعود إلى نحو الألف الثالث قبل الميلاد. وتظهر في قطع إيبلا وأوغاريت تقنيات الحبيبات والمشبك التي ما زال الصاغة السوريون يستعملونها حتى اليوم.
لماذا تظهر نساء تدمر في المنحوتات مثقلات بالحلي؟
لأن العرف التدمري كان عكس الروماني تماماً: كثرة الحلي في التمثال الجنائزي دلالة شرف ومكانة لا خفة. سيدات تدمر نُحتن بسبعة عقود أحياناً مع تيجان وأقراط وأساور، وكانت المنحوتات تُذهّب وتُطعّم بالزجاج الملون.
ما علاقة الأرمن بالفضة السورية؟
الحرفيون الأرمن الناجون من مجازر 1915 حملوا معهم إلى سوريا تقنيات صياغة رفيعة، أبرزها النيلو - النقش الأسود على الفضة - الذي توطّن في دير الزور وصار بصمة المنطقة. كما رفدت العائلات الأرمنية مدرسة حلب الذهبية بدقتها المعروفة في الشغل الرفيع.